الكاتب الألماني برتلس يبين أفضل طرق تعليم اللغات، وتعليق الدكتور تقي الدين الهلالي على ذلك

0 54

 

هذه مقالة مفيدة في تعلم اللغات بصفات عامة، للشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله، وهي من كتابه: الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة، وعنوانه كما في الكتاب:
السفر إلى الهند
أقمت في الحجاز أكثر من ثلاث سنين و أنا لا أزل في عنفوان الشباب و رأيت حتى في ذلك الزمان أن العالم بلا شهادة كالمسافر بدون جواز سفر ليس له مكان في المدارس العليا، و إذا ألف كتابا أو أنشأ مقالا فأول سؤال يسأله الناس: هل عنده شهادة عالمية؟ فيجيء الجوابب لا. هل يعرف لغة أجنبية؟ فيكون الجواب: لا. هل درس في أوروبا؟ فيكون الجواب: لا. فيقال حينئذ: (سيبك منه) يعني دعه و لا تلتفت إليه،

وتاقت نفسي إلى الحصول على شهادية عالمية و كنت متصلا بالمكاتبة مع عالمين جليلين أحدهما تقدم ذكره و هو السيد سليمان الندوي، و الآخر لم يتقدم ذكره و هو الشيخ أحمد السركتي في أندنيسيا، فلما علما بغرضي دعاني كل واحد منهما أن أكون مدرسا في مدرسته و أملت أني أستطيع أن أدرس دراسة عالية في الهند أو في أندونيسيا و أحصل على شهادة أستطيع بها أن أروج علمي و آخذ حقي و أغزو المدارس العليا بدعوتي، فرجحت بقضاء و قدر من الله تعالى التوجه إلى الهند كان ذلك في أول سنة1349 فعينت رئيسا لأساتذة الأدب العربي في كلية ندوة العلماء، و بقيت فيها ثلاث سنين و نيفا ابذل كل جهد في تعليم أدب اللغة العربية من أول درس إلى آخر درس بدون استعمال لغة أخرى.
و قد كتب المربي الجرماني(برلتس) في مقدمة كتبه في تعليم اللغات الحية كلاما موزونا مفيدا جدا أقتبس منه قليلا قال:( يجب على كل معلم للغة أن يعلم تلك اللغة بنفسها من أول درس إلى آخر درس و يمتنع من الترجمة امتناعا كليا، فإن تعلم لغة بلغة أخرى عقيم و فيه مفاسد:
أولها:
أن أكثر الوقت يمضي في استعمال لغة غير مقصودة بالذات فيشتغل اللسان و الفكر بشيء غير مقصود لذاته و ذلك تضييع للوقت…
و ثانيها:
أن المتعلم بتوسط لغة أخرى يضطر إذا أراد أن يكتب أو يتكلم إلى التفكير باللغة المتوسطة ثم ينتقل منها إلى اللغة المقصودة و لنضرب لذلك مثلا: طالب عربي يريد أن يتعلم اللغة الانكليزية إذا علمناه اللغة الانكليزية بواسطة اللغة العربية و أراد أن يتكلم الانكليزية أو يكتب مقالا لا بد أن يفكر أولا بالعربية ثم ينتقل منها إلى اللغة الانكليزية فيجيء كلامه و إنشاؤه ركيكين خاليين من الفصاحة و حسن البيان.
ثالثها:
أن مدة تعليمه تطول لأن اللغة المقصودة بالذات لا تنال من وقته إلا القليل كما تقدم. و ضرب لذلك مثلا الأطفال الصغار كل طفل يتعلم لغة أمه بدون ترجمة مع ضعف إدراكه في مدة قصيرة فينطق بها بغاية الفصاحة و لا يشعر بأدنى تكلف.
وهذا هو الأسلوب الصحيح لتعلم اللغات و هو تكرر السماع على أذني المتعلم يعقبه النطق الصحيح، و الكبير أحوج إلى هذا الأسلوب و أكثر انتفاعا به لكمل إدراكه، و كم رأينا من رجل غريب حل بأرض قوم و هو لا يعرف من لغتهم شيئا و في بضع سنين صار فصيحا في لغتهم دون استعمال ترجمة.
و من نصائح العالم الجرماني برلتس لمن يريد أن يعلم الناس لغة أن يبدأ بالمرئيات فيأخذ الكتاب مثلا و يشير إليه و ينطق بلفظ (كتاب) فيسمعه المتعلم فينطق مثله و يكرر ذلك حتى يرسخ اسم الكتاب في ذهنه، ثم ينتقل إلى القلم و القرطاس و المسطرة و هكذا دواليك. أما في الأفعال فيقوم المعلم و ينطق بلفظ أقوم،

و يجلس و ينطق بلفظ (أجلس) و يمشي و ينطق بلفظ (أمشي)، و هكذا إلى أن يتعلم الطالب ما يكفي السؤال و الجواب فينتقل معه إلى طريقة السؤال و الجواب، و هي أحسن الطرق في تعليم اللغات و قد شاع هذا الأسلوب في هذا الزمان.
استعملت هذا الأسلوب و لقيت صعوبة في أول الأمر لأني كنت أدرس كتب النهايات و بعد شهرين زالت الصعوبة و صار الطلبة يفهمون. و كنت أعلم الإنشاء و الخطابة مرتين في الأسبوع في مقصورة واسعة معدة لإلقاء الخطب ففي ثلاث سنين و بضعة أشهر تخرج في الأدب العربي جماعة من الشباب أذكر منهم: مسعود عالم الندوي و أبا الحسن علي الندوي ـ و قد ذكرته من قبل ـ و محمد ناظم الندوي و أبا الليث شير محمد الندوي و هو رئيس الجماعة الإسلامية في الهند في الوقت الحاضر.

وصار هؤلاء وغيرهم كتابا و مؤلفين و خطباء و لم يعهد مثل ذلك في الهند، و قد بين ذلك تلميذي الأستاذ أبوا الحسن علي الندوي في مقالات نشرها. و لم يكن راتبي يزيد على مائتي روبية و لكنني كنت أحتسب عند الله من الأجر و الثواب في العاجل و الآجل ما يفوق القناطير من الذهب و الفضة. و اغتبط بذلك رئيس الندوة السيد سليمان الندوي ونائبه و ساعده الأيمن الطبيب الماهر الدكتور عبد العلي، و اقترح علي السيد سليمان أن أنشئ مجلة باللغة العربية ليتدرب فيها المتقدمون في العلم من الطلبة بكتابة المقالات فأنشأت مجلة (الضياء) و كان لها شأن عظيم لمدة من الزمن و الآن تصدر في الندوة حفيدتها (البعث الإسلامي) و هي أشهر عند قراء اللغة العربية من نار على علم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.